تتضمن هذه المقالة إقتراحاً بإنشاء جامعة "عربية" صميمة من حيث التوجيه، والإدارة والتمويل. إن الموقف العربي الرسمي الإيجابي بهذا الشأن يشكل دون ريب تجسيداً لحكمة قرارٍ متميزة، ورؤية لمسارٍ نافذة.
شهدت السنوات الأخيرة ظاهرة بزخم متعاظم، ولما يزل قائماً، تمثل في السيل المتدفق للجامعات الأجنبية ومراكز التعليم فيها (الأميركية والأوروبية) لإقامة فروع لها في أرجاء الوطن العربي بعامة، والخليجية بخاصة، حتى باتت حالياً تشكل نقطة إستقطاب مزاحمة وبشدة لنشاط وفعاليات عموم الجامعات العربية في تعدد أقطارها من جهة. ومن جهة ثانية، فإن في هذا التدفق المنظم ما يجعله بمثابة "رأس حربة" لاختراق ثقافي يستهدف جوهر الهوية العربية وبنائها، وبخاصة إذا لم تتوفر الفرصة لمراقبة وطنية هادفة تعتمد "معايير إنضباطية" تحكم فعاليات هذه المؤسسات، تلك الفعاليات التي يبدو أنها تجول في ساحة بحرية لا يحتويها معيار وطني في الحركة والقرار.
من حيث المبدأ، هذا التدفق ينبغي أن يكون مرحباً به. فهو علمي تقني في جوهره، وثقافي في إنفتاح آفاقه، وفي ذلك منافع كثيرة ورصينة ولا ريب. ولكن القضية هنا أنه رغم ضخامة هذا السيل وتعاظم زخمه، فإنه يبقى في اتجاه واحد ولا يقابله أي موقف مماثل عربياً. بعبارة أخرى، فإن واقع هذه الأحادية في الإتجاه يعكس بالتأكيد ظرفاً من عدم التوازن في العلاقات العلمية والثقافية والإبداعية بين طرفيه. إن مزايا ودوافع الإقتراح الحالي، في منطلقها وكلية بنائها، تشكل البداية لمحاولة جادة لإعادة نوع من التوازن والتبادلية الإيجابية بين منابع العطاء والإغناء على الصعيدين الإقليمي والدولي معاً.
الإقتراح الراهن بإنشاء "جامعة العرب" في أميركا / واشنطن يصب في ذات المسار ويستلهم دوافعه وأبعاده من ذات روح القرار. فهو حلقة متفتحة في إمتداد النبع وإنسيابه، كما تبديه أهدافه وتطلعاته.
إختصاراً، ترد أهم مزايا هذا الإقتراح في إطار الإعتبارات الآتية:
(1)-إن الجامعة المقترحة تشكل بؤرة إستقطاب لإفضل العقول العربية في المهجر بخاصة، وفي كافة الإختصاصات العلمية الرصينة. أنها ستكون "بوتقة" لهذه الكفاءات النوعية ولكن المحرومة من الفرص الحقيقية للمساهمة الفاعلة لمنابع جذورها في تعدد مواقعها.
(2)-الإمكانية الضخمة التي يوفرها وجود هذه الجامعة في أن تقوم بدور "حلقة الوصل" المتينة التي تربط بين مصادر العلم والمعرفة الخارجية وجامعاتنا ومراكز البحوث والتقنية العربية.
(3)-كما أن هذه الجامعة من شأنها أن تشكل "ثغراً" وفرصة للإنفتاح على العالم الخارجي لعرض إنجازاتنا العلمية من جهة، والإحتكاك المتفاعل بالثقافات العالمية وتبادل الأفكار والرؤى من جهة أخرى.
(4)-هذه الجامعة يمكنها وبإقتدار أن تصبح "المحطة الرئيسية" لجيل الشباب المتميزين في تحصيلهم العلمي الوطني، والذين يسعون إلى الإستزادة من المعرفة العلمية عن طريق الحصول على الشهادات العليا في مختلف الإختصاصات المتقدمة والرائدة في العالم.
(5)-وأنه من خلال نجاعة ورصانة التوجيه العلمي والثقافي فيها يتم تأكيد قيمنا وتراثنا، وتعزيزاً لغرسها في نفوس القيادات المؤهلة في المسيرة المستقبلية.
(6)-أن تصبح هذه الجامعة مركزاً محورياً للأساتذة الجامعيين والباحثين في مراكز البحوث الأكاديمية والصناعية المختلفة.
(7)-يمكن أن تشكل هذه الجامعة "بوتقة" ذات نوعية متميزة تقوم بدور إستشاري داعم للدبلوماسية العربية في كافة دول العالم، بما فيه دعم المعاهد الدبلوماسية القائمة لهذا الغرض في الأقطار العربية.
(8)-إن الكليات العلمية المتخصصة في هذه الجامعات يمكنها أن تشكل الحلقة المركزية لنقل وتطويع التقنية المتطورة للإقتصاد العربي.
(9)-كما أن الجامعة المقترحة يمكنها أن تصبح مركزاً متقدماً للتدريب وإعادة التأهيل للكوادر العربية، إضافة إلى دورها التعليمي المحوري.
(10)- إن إنخراط الأساتذة والطلبة العرب في هذه الجامعة، وإتساع قاعدة إحتكاكهم التعليمي والثقافي بينهم وكذلك مع الطلبة والأساتذة الأجانب في هذه الجامعة، من شأنه أن يساعد على بلورة الإندماج الثقافي بين العرب أنفسهم وكذلك مع الثقافات المتواجده فيها ما يعزز وبشكل فعال إبراز الهوية العربية كجزء مشارك في رحاب الإنسانية.
ذلكم كله غيض من فيض. فإن جاء القرار بالقبول والتوجيه، تجيء الخطوة الأولى في تكليف وزارات التعليم العالي بتشكيل "لجنة عليا" من المفكرين والعلماء في الداخل والخارج (وبخاصة من المتخصصين العرب الموجودين في الجامعات ومراكز البحوث الأميركية)، إضافة إلى ممثلين من اليونسكو والأليكسو وإتحاد الجامعات العربية، وكذلك نخبة من البارزين الدوليين في حقل التعليم، تكون مهمة هذه اللجنة إعداد "تقرير شامل" لمتطلبات إقامة الجامعة المقترحة من كافة جوانبها الهيكلية والمالية والعلمية وغيرها.
إنها مبادرة تاريخية سبّاقة ما سعت إليها أية قيادة عربية من قبل. فهي موطن للخلق القائم، ومنار للإبداع القادم. والأمم بما تصبو، تسمو.