وكما تجيء خسائر الحرب مبرَرة بمكاسبها، كذلك يفعل الركب التقني المعاصر لثورة التقنية في المعلومات والإتصالات. فمن يتآلف مع تياره في العطاء الإبداعي يدفعه، ومن يغاير تدفقه يمنعه. هكذا يأتي التأثير الساري لهذه الثورة في زخمها الجارف، عاصفاً بمرتكزات المجتمع ومعيداً تشكيله وبخاصة على الصعيدين الإقتصادي والإجتماعي. وفي ثنايا هذا التدفق تبلورت فجوتان: إحداهما متميزة في تفردّها لأنها معاصرة قادمة، وأخرى منحسرة وهي تقليدية قائمة.
فجوة الجيل التقليدية تأتي في طبيعتها عضوية هيكلية لأنها فجوة بين الآباء والأبناء. هذه الفجوة أزلية منذ ولادة الخليقة وتكتنف الإنسان والحيوان ولكن مع فارق حاسم يكمن في تملّك العقل على الصعيد الإنساني مولداً المجال المعرفي فيها. السمة الأساسية هنا أنها تراكمية، كما ينعكس ذلك على ولادة وتطور العلوم المختلفة. هذه الخصوصية فرضت ذاتها على نمط التعليم فجاء متدرجاً في تراكمه من ناحية. يقابله تعاظم المعرفة العلمية نظرياً وتجريبياً في تتابعها من منبع المواكبة المعرفية وحصادها. وفي إطار هذه الفجوة، جاءت العلاقة بين طرفيها واضحة وعلى العموم مستقرة: الكبار فيها (الوالدين) يُرشدون من ينبوع التجربة والمعرفة وحكمتها، والشباب (الأبناء) يطيعون ويسايرون.
وتأتي الثورة الرقمية المعاصرة لتخترق في وجودها النمط التراكمي للمعرفة، فارضة فعل الإبداع والموهبة، وبالتالي محددة مساراً دينامياً هائلاً كمصدر مغاير للمعرفة الإنسانية. ومن ذلك، ولدت فجوة الأجيال المقلوبة. فالمعرفة التقنية الدافقة التي أوجدتها كانت ملهمة للشباب، فإستوعبوها شغفاً متعايشين مع تطوراتها السريعة وبإنعكاس مهيمن في ثقله على سلوكيتهم الحياتية. فهي ثورة قد التحمت معهم في تتابع كل مستوياتهم التعليمية وأنماط معيشتهم اليومية معاً، فجاء التجسيد للفجوة المقلوبة شاملاً عارماً.
أثار هذا التحول المباشر للفجوة المقلوبة على الجيل المخضرم من الكبار جاء واضحاً في إحراجه لنمط حياتهم وفي عدة إتجاهات. فالثورة قد حكمت عليهم العودة إلى مسار التعّلم ولكن بدون تدرجية تراكمية. بالنسبة للنشيط منهم إقتصادياً (العاملون والباحثون) فإن "الصدمة التقنية" قد طوّقت أمامهم الإختيار: إما الإذعان أو خسارة موقع حياتي للدخل والرزق. أما غير النشيطين من الكبار فإنهم إن تباطؤا في المسايرة، تعّمقت وحدتهم وعزلتهم فأصبحوا زاهدين. وبين هؤلاء وهؤلاء، إستجاب فريق منهم وإجتهد، فوجد من بعد عناء رفيقاً فيما قدمّته الثورة من فرصة للتمتع بالحياة والإنسياب في مجراها.
لا شك أن الثورة الرقمية قد أحدثت تغيرات جذرية في المجتمع، للمنتج فيهم والمتلقي معاً. فهي قد سمت بالمجتمع إلى مستويات معرفية وفرص حياتية ما كان له أن يطالها بدونها. فلقد قلصّت المسافات، وخفّضت تكلفة المعاملات والعلاقات، ونوعّت المنتجات، وحفّزت الإبداعات، وكثير من ذلك بإستمرارها آت. ولكن رغم ذلك، لا يمكن تجاوز بعض جوانب آثارها التي لا تخلو من السلبية، منها:
• إقتصادياً، فإن التطورات التقنية المتسارعة قد أفرزت معدلات من التقادم الهادر للمنتجات وبشكل غير مسبوق. وقدعجّل من ذلك أيضاً سلوكية التظاهر والمحاكاة في سرعة إستخدام أفضل وآخر ما ينتج من تقنياتها، وبخاصة بين الشباب. فجاء هذا السلوك عبئاً عليهم وعلى أهليهم ثقيلاً ومسرفاً.
• الإستخدام المزمن والكثيف لهذه الآليات قد أدى وبشكل مباشر إلى إضعاف حيوية التماسك الإجتماعي وبشكل محسوس. قبلها، كانت وسائل الإتصال هذه تقّرب البعيد. الآن أضحت تُبعد القريب. فالشباب في إسرافهم في أستخدامها وفي كل الأوقات أصبحوا في أحضان أُسرهم جسدياً موجودين، ولكنهم في علاقاتهم الإجتماعية فيها خارجياً مرتبطون.
• الإستخدام الكثيف والمتواصل لأدوات الإتصال لا شك أنه قد أزهق فرص الراحة ورفيقها التأمل.
• كما أنه قد أربك "درجة الطاعة" بين توجيه الوالدين وقبول الأبناء. وكما يبدو من المراقبة، ما عادت العلاقة بين الطرفين تحضى بالقدر المتوقع من الإدراك والتفاهم الذي تستحقه.
ولنقف الان برهة نتأمل، ونتساءل: ماذا بعدُ؟
يمكننا القول وبقناعة مؤكدة أن البُعد الزمني بين الفجوتين مهما إستمر إلا أنه سيصل إلى قراره المحتوم. فالثورة الرقمية إن طالت ستنتهي لأنها مرحلية، ولكنها إن إنتهت ستطول! فهي محكومة بسبب طبيعتها ونتائج تأثيرها أن تتجه نحو الإلتحام بمرور الزمن مع الفجوة التقليدية. فالثورة الرقمية حينها ستكون قد هيمنت وفرضت كامل وجودها على المجتمع، مرتقية به إلى مستوى متجاذب معها في كل أبعاده. حينها، سيكون المجتمع قد تحقق من إحتوائه وإستقراره في أحضان دينامية الإقتصاد المعرفي. فجيل اليوم من الشباب المتمكن منها، سيكون هو ذاته جيل الكبار المستقبلي والمستمر في مسايرته لها ومتعاطٍ مع تطورات ثورتها. وذلكم هو الإعلان بالنضوج الشامل مجتمعياً لعصر المعلومات.